البيشمركة وصمام أمان العراق.. العبث بالركائز الدستورية يفتح أبواب الفوضى
بقلم: دارا محمد حصري
تحمل الأصوات والحملات الإعلامية والسياسية التي تتردد بين الحين والآخر في بعض الأوساط، والمطالبة بحل قوات البيشمركة أو تقويض مكانتها، ملامح عقلية شوفينية تعيد إلى الأذهان إرث الأنظمة الشمولية البائدة.
إن التفكير في تفكيك هذه المؤسسة لا يمثل مجرد خلاف على قطعات عسكرية أو مخصصات مالية، بل هو محاولة صريحة لنسف العقد الاجتماعي والسياسي الذي بُني عليه العراق الجديد، ودفع البلاد نحو نفق مظلم من الفوضى الشاملة.
*الإرث التاريخي.. قوة عصية على الإنهاء
تاريخياً، لم تكن "البيشمركة" (الذين يواجهون الموت) مجرد فصيل مسلح عابر، بل وُلدت كعقيدة دفاعية متجذرة في الوجدان القومي للشعب الكوردي لحمايته من حملات الطمس والإبادة. وعلى مر العقود، حاولت حكومات متعاقبة في بغداد — بمختلف ترساناتها العسكرية الضخمة — كسر هذه القوة، لكنها فشلت:
في العهدين الملكي والجمهوري الأول، عجزت الآلة العسكرية التقليدية عن إخضاع جبال كوردستان، مما أجبر النظام البعثي لاحقاً على الاعتراف بالحكم الذاتي في اتفاقية 11 آذار 1970، بعد أن فشل في انتزاع سلاح البيشمركة أو تذويبها.
وحتى عندما تآمرت بغداد دولياً في اتفاقية الجزائر عام 1975 لقطع الدعم عن الحركة الكوردية، لم تمر سوى أشهر قليلة حتى انطلقت "ثورة كولان" عام 1976 لتعيد تنظيم صفوف البيشمركة من جديد.
وبلغ الحقد الشوفيني ذروته في أواخر الثمانينيات عبر حملات الأنفال سيئة الصيت وقصف حلبجة بالسلاح الكيميائي، وظن النظام أنه حقق "الحسم النهائي"؛ ليفاجأ بالعالم ينتفض، ومعه البيشمركة، في ربيع عام 1991 لتطهير مدن الإقليم وتأسيس كيانه الدستوري الحالي.
إن التاريخ يثبت بصورة قاطعة: إذا كان نظام دكتاتوري يمتلك رابع أقوى جيش في العالم وترسانة كيميائية وباليستية قد ذهب إلى مزابل التاريخ وبقيت البيشمركة، فإن الأصوات الناشئة اليوم لا تملك الرصيد الواقعي الذي يؤهلها حتى للتفكير في هذا الأمر.
*الغطاء الدستوري والشراكة المهددة
من الناحية القانونية، فإن وضع قوات البيشمركة ليس منة من أحد، بل هو محصن بموجب دستور العراق لعام 2005، وتحديداً المادة (121/ خامساً) التي منحت إقليم كوردستان الحق في تنظيم قوات أمنه الداخلي وحرس الإقليم.
إن محاولة القفز فوق هذا النص الدستوري تعني إعلاناً صريحاً عن موت "الدولة الاتحادية الفيدرالية التعددية" والعودة إلى منطق الاستقواء بالسلاح ومركزية السلطة المطلقة. هذا الهدم الممنهج لأركان الدستور سيفقد العملية السياسية برمتها شرعيتها، ويمزق الشراكة التاريخية بين المكونات الأساسية (الكورد، والشيعة، والسنة).
*الفراغ الأمني ومخاطر الفوضى
على الصعيد العملياتي، أثبتت المعارك ضد تنظيم "داعش" الإرهابي أن البيشمركة ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي والإقليمي. الاستهداف الممنهج لهذه القوات لن يسفر إلا عن:
إحياء الإرهاب: خلق فراغات أمنية شاسعة في مناطق التماس الرمادية (المناطق المتنازع عليها)، مما يمنح الخلايا الإرهابية فرصة ذهبية لإعادة تنظيم صفوفها وتهديد أمن العراق والمنطقة برمتها.
خيارات الانفصال الاضطرارية: دفع القيادة في إقليم كوردستان نحو خيارات حمائية قصوى لحفظ أمن شعبها، مما قد ينتهي بالانفصال الفعلي الكامل وعزل المنطقة أمنياً واقتصادياً، وهو ما يمثل النهاية الفعلية لـ"جمهورية العراق" بصيغتها الحالية.
التدخلات الإقليمية: تحويل شمال العراق إلى ساحة مفتوحة لحروب الوكالة وتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية المحيطة التي ستسعى لملء الفراغ الناتج عن غياب القوة النظامية للإقليم.
في وقت يسعى فيه المخلصون، بالتعاون مع التحالف الدولي، إلى دعم جهود الإصلاح ومأسسة وتوحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة حكومية موحدة لتعزيز استقرار الدولة، تخرج أصوات واهمة تحركها أجندات ضيقة أو جهل سياسي مركب.
إن هؤلاء لا يدركون أن معاداة البيشمركة هي معاداة لاستقرار العراق بأكمله؛ فالبيشمركة ليست فصيلاً يمكن حله بقرار، بل هي عمود رئيسي في هيكل الدولة العراقية الهش، وإذا سقط هذا العمود، فلن يسلم السقف في بغداد ولا في أربيل.