بين الضمير الوطني وقانون الغاب

بين الضمير الوطني وقانون الغاب
بين الضمير الوطني وقانون الغاب

بقلم: ذكري موسى

رسالتي إلى الأحزاب والقوى السياسية في كوردستان هي أن يفكر جميع الأطراف بمصالح شعب كوردستان، وأن يضعوا المصالح العليا لشعبنا فوق الأهداف والمصالح الضيقة، وأن يتخلوا عن هذا الصراع العقيم وعن الأنانية التي باتت منذ فترة تعرقل العملية السياسية في الإقليم. إذ أدعو، بعد عيد الأضحى المبارك، القوى السياسية في الإقليم إلى أن تجتمع معاً بإخلاص وروح وطنية، وأن تعالج هذا الانسداد السياسي، وأن تضع حداً لهذا الوضع السياسي غير الملائم. 

إن هذا واجب ضميري وقومي ووطني، ومن الضروري أن يتعامل الجميع معه بروح المسؤولية وأن يعودوا إلى الطريق الصحيح. هذا كان مضمون المبادرة التي طرحها الرئيس بارزاني لإنقاذ كوردستان من حالة الانسداد السياسي التي تعاني منها، وذلك في رسالة عيد الأضحى لهذا العام. 

وفي الرد على هذا النداء الوطني الصادق، وللأسف، فإن بافل طالباني، بوصفه الطرف الرئيسي في الأزمة الجارية في كوردستان، أثبت من خلال تصريحاته خلال إحدى الجلسات الحوارية في مدينة السليمانية أنه غير قادر على التصرف بمسؤولية، وأنه لا يولي اهتماماً يُذكر لواجب الضمير والواجب القومي والمصالح العليا لكوردستان. 

ويبدو أنه اختار أو جرى دفعه إلى تبني نهج يقوم على الأنانية والهوس السياسي. فهو يسخر من كل ما يخدم مصلحة واستقرار إقليم كوردستان.

إن هذا النهج السلبي وانتهاك القيم والمبادئ الذي يمارسه بافل طالباني ويعلن عنه، لم يقتصر أثره على الحزب الديمقراطي الكوردستاني أو على العملية السياسية في الإقليم فحسب، بل إنه ارتد أيضاً على حزبه نفسه وعلى رفاقه وأقاربه وحلفائه.

فمن كان يتوقع أن يأتي يوم تقوم فيه آلاف العناصر المسلحة وعشرات الآليات المدرعة التابعة لقوة كوردية بزعزعة هيبة المدينة وأمنها، وتهاجم فندقاً في قلب مدينة السليمانية، وتستخدم القوة والسلاح والنار لتصفية حسابات سياسية مع المقربين منها؟

وفي أي مكان من العالم يحدث أن يتم خلال فترة الانتخابات سجن ثلاثة رؤساء أحزاب، ثم تُجرى داخل السجن وتحت الضغط عمليات مساومة ومتاجرة بالمقاعد مع رئيس أحد الأحزاب، وبعد ذلك يُقدَّم الأمر للناس على أنه من تقاليد الديمقراطية ومن أجل تشكيل التحالفات، ليُستخدم في تعميق الأزمات أكثر فأكثر؟

ولدى أي شعب يُعتبر التلاعب بقوت المواطنين وميزانيتهم، والسعي إلى خلق أزمة تستهدف بشكل مباشر حياة المواطنين، نوعاً من الشجاعة أو النزاهة أو عملاً سياسياً مشروعاً؟

خلال عامي 2024 و2025، عبّر شعب كوردستان مرتين متتاليتين عن رأيه وإرادته عبر صناديق الاقتراع. وفي كلتا العمليتين الانتخابيتين، حصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها حزب بافل طالباني.

وبحسب قيم ومبادئ الديمقراطية، فإن صوت الشعب هو المعيار الذي يجب أن تُبنى عليه معادلة السلطة السياسية والإدارية للأعوام الأربعة المقبلة. إلا أنه يبدو أن ما لا يحظى بأي قيمة ضمن رؤية بافل طالباني هو صوت الشعب ومبادئ الديمقراطية.

فالشيء الذي يعمل من أجله ويسعى إلى فرضه يستند إلى سيكولوجية وأدبيات الحروب الداخلية والإيمان بمنطق "قانون الغاب". وهذا أمر لا يستطيع حتى المناضلون والوطنيون داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني، الذين يعيشون تحت ضغوط وتهميش شديدين، تقبله أو هضمه، وهم يشتكون منه أيضاً. لكن السؤال الرئيسي هو: إلى أين يمكن أن يقود هذا النهج؟

إن الطريق الصحيح لإنقاذ كوردستان من هذه الأزمة العميقة يكمن في مراعاة ثلاثة أمور أساسية وهي:
1-الخضوع لإرادة الشعب وصوته.
2-أخذ العبرة من التاريخ.
3-الإيمان بالأخلاق والضمير الوطني.

أما منطق قانون الغاب والمقامرة السياسية، فلم يُنصف أحداً في الماضي، ولن يُنصف أحداً في المستقبل.