بين عبق التراث وحداثة الإنتاج.. حكاية فاكهة تُجففها الشمس وتحفظها ذاكرة الشام

ولات تيفي – أربيل 

لا تزال صناعة قمر الدين السوري تحافظ على مكانتها كواحدة من أبرز الصناعات الغذائية التراثية في سوريا، مستندة إلى أساليب إنتاج تقليدية توارثتها الأجيال، رغم دخول التقنيات الحديثة إلى مراحل التصنيع، في وقت يواصل المنتج السوري حضوره في الأسواق المحلية والخارجية بفضل جودته ونكهته المميزة. 

*رحلة التصنيع تبدأ من المشمش

تنطلق رحلة صناعة قمر الدين من بساتين المشمش، حيث تُنقل الثمار إلى معامل الإنتاج لتبدأ مراحل الغسل والتعقيم والعصر، قبل فصل البذور واستخراج العصير الذي يُخلط بالقطر، ثم يُسكب على ألواح خشبية خاصة ويُترك تحت أشعة الشمس حتى يكتسب قوامه النهائي.

منتج ومصدر قمر الدين، محمد يوسف جاويش، كشف أن عملية التصنيع تمر بعدة مراحل دقيقة تبدأ باستقبال محصول المشمش من المزارعين، ثم غسله وتعقيمه ونقله إلى آلات العصر لاستخراج العصير، الذي يُحفظ في خزانات مخصصة قبل خلطه بالقطر وتجهيزه لمرحلة التجفيف.

*موروث تقليدي تدعمه التقنيات الحديثة

أوضح جاويش أن صناعة قمر الدين كانت تُنجز قديمًا داخل المنازل بطرق يدوية تعتمد على الصواني التقليدية، قبل أن تشهد تطورًا مع استخدام القوالب الخشبية والآلات الحديثة التي أسهمت في تحسين مستوى النظافة وجودة الإنتاج، مع الحفاظ على أسلوب التجفيف الطبيعي الذي يمنح المنتج خصائصه المعروفة.

وأكد أن اعتماد الألواح الخشبية والتجفيف تحت أشعة الشمس لا يزال يمثل العنصر الأهم في الحفاظ على جودة قمر الدين السوري ومذاقه التقليدي.

*التجفيف الطبيعي سر الجودة

لفت جاويش إلى أن عدداً من منتجي قمر الدين انتقلوا إلى دول أخرى عقب عمليات التهجير التي شهدتها الغوطة، واتجهوا إلى استخدام الأفران الصناعية في عمليات التجفيف، إلا أن هذه الطريقة، بحسب وصفه، لا تمنح المنتج النكهة والجودة اللتين يحققها التجفيف الطبيعي تحت أشعة الشمس.

وأضاف أن اختلاف نوعية المشمش والظروف المناخية في سوريا يسهمان في منح قمر الدين السوري مذاقه المميز، وهو ما يجعله مختلفًا عن المنتجات المصنعة في دول أخرى.

*مهنة عائلية تمتد لعقود

أكد جاويش أنه يعمل في صناعة قمر الدين منذ عام 1975، مشيرًا إلى أن هذه الحرفة ورثها عن والده، الذي ورثها بدوره عن الأجداد، في استمرار لتقليد عائلي حافظ على هذه الصناعة عبر عقود طويلة.

وتستمر ألواح قمر الدين بعد سكب العصير عليها في التعرض لأشعة الشمس حتى تكتمل عملية التجفيف، قبل جمعها وتجهيزها للتغليف والتوزيع.

*تاريخ عريق وانتشار إقليمي

تتعدد الروايات حول أصل تسمية "قمر الدين"، إذ تشير بعض الروايات إلى أنها تعود إلى اسم مبتكره، بينما تربطها روايات أخرى بتزامن إنتاجه لأول مرة مع رؤية هلال شهر رمضان خلال موسم المشمش. إلا أن الثابت تاريخيًا أن هذه الصناعة انطلقت من بلاد الشام، حيث ارتبطت بدمشق وريفها منذ مئات السنين.

رغم انتشار صناعة قمر الدين في عدد من دول الشرق الأوسط، لا تزال دمشق وريفها تُعدان من أبرز مناطق إنتاجه، بفضل ملاءمة الظروف المناخية لزراعة أصناف المشمش المستخدمة في تصنيعه. 

وعلى الرغم من تراجع إنتاج المشمش خلال السنوات الأخيرة، يواصل قمر الدين السوري حضوره في الأسواق الخارجية ويحتفظ بسمعته كأحد أبرز المنتجات الغذائية التقليدية السورية.