إعلامي سوري لـ"ولات تيفي": زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق فتحت آفاقاً جديدة للتقارب والتعاون

ولات تيفي – أربيل 

أكد الكاتب والصحفي السوري محيي الدين اللاذقاني أن زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق حملت رسائل سياسية مهمة على المستويين السوري والإقليمي، معتبراً أنها شكلت إحدى أبرز المحطات السياسية في المرحلة الحالية، وأسهمت في تعزيز فرص نجاح المرحلة الانتقالية ودعم مساعي الاستقرار في سوريا والمنطقة.

وفي مقابلة خاصة مع "ولات تيفي" خلال مشاركته في برنامج "لقاء الأسبوع" الخميس 6 آب 2026، أكد اللاذقاني أن المباحثات التي جمعت رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بالرئيس السوري أحمد الشرع تناولت ملفات رئيسية، في مقدمتها حرص الإقليم على تحقيق الاستقرار في سوريا وإنجاح المرحلة الانتقالية، ومستقبل العلاقة بين الدولة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" "قسد" و"الإدارة الذاتية"، مشيراً إلى أن عملية الاندماج تمضي قدماً رغم وجود بعض العقبات، وأنها تمثل الخيار الأكثر واقعية لضمان استقرار البلاد.

وتطرق اللاذقاني إلى التطورات السياسية والأمنية في سوريا، والعلاقات مع العراق وتركيا وروسيا ولبنان، إضافة إلى تقييمه للأوضاع الداخلية، معرباً عن تفاؤله بمستقبل البلاد، ومشدداً على أهمية بناء دولة القانون، وترسيخ العدالة الانتقالية، وإطلاق الحياة السياسية بما يواكب تطلعات السوريين بعد سنوات طويلة من الحرب والتضحيات.

*نص المقابلة: 

**"ولات تيفي": كيف تقرؤون زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى سوريا، واستقباله من قبل الرئيس أحمد الشرع؟ وما الرسائل السياسية التي حملتها الزيارة؟

*اللاذقاني: أعتقد أن زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى سوريا تعد من أنجح الزيارات التي شهدتها المرحلة الأخيرة، لأنها حملت رسائل سياسية معلنة وأخرى غير مباشرة، تؤكد الحرص على استقرار سوريا وإنجاح المرحلة الانتقالية.

وقد تناولت المباحثات مع الرئيس أحمد الشرع ملفات أساسية، أبرزها دمج "قسد" و"الإدارة الذاتية" ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهو ملف محوري لاستقرار سوريا والمنطقة بشكل عام.

كما يدرك إقليم كوردستان أن استقرار سوريا ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة بأسرها، وهناك تقدير كبير لدى السوريين والقيادة السورية للدور الذي أداه الرئيس مسعود بارزاني، وكذلك للرئيس نيجيرفان بارزاني، وتبدو المؤشرات إيجابية مع وجود نوايا جدية لمعالجة القضايا العالقة.

**"ولات تيفي": رفع علم إقليم كوردستان داخل قصر الشعب.. هل كان إجراءً بروتوكولياً أم حمل رسائل سياسية؟

*اللاذقاني: البروتوكولات تختلف من دولة إلى أخرى، لكن رفع علم إقليم كوردستان في قصر الشعب كان محل ترحيب، خاصة أنه رُفع إلى جانب العلم العراقي، بما يعكس الاحترام المتبادل بين الجانبين.

وأرى أن القيادة السورية أظهرت احترامها لإرادة الشعب الكوردي، ولم تجد حرجاً في رفع علم الإقليم، كما أن هناك توجهاً لتحسين العلاقات بين دمشق وبغداد، وإقليم كوردستان يسعى أيضاً إلى تطوير علاقاته مع سوريا بعد سنوات من الفتور.

**"ولات تيفي": في الوقت الذي كانت فيه الحكومة العراقية المركزية تدعم نظام الأسد، وقف إقليم كوردستان إلى جانب الشعب السوري واستقبل مئات الآلاف من اللاجئين. كيف سينعكس ذلك على العلاقات الحالية، بالتزامن مع قرار افتتاح قنصلية سورية في أربيل؟

*اللاذقاني: السوريون لن ينسوا موقف إقليم كوردستان والرئيس بارزاني تجاه اللاجئين السوريين، فقد استقبل الإقليم مئات الآلاف منهم، ووفرت حكومته احتياجاتهم الأساسية، وهو موقف يحظى بتقدير واسع لدى السوريين.

والاستقبال الحافل من قبل الشرع لنيجيرفان بارزاني في دمشق يعكس هذا التقدير، كما أن مواقف الإقليم الداعمة للثورة السورية وللاستقرار السياسي ما تزال محل احترام. وأعتقد أن تأثير إقليم كوردستان والرئيس بارزاني على الكورد في سوريا يمكن أن يسهم في تسهيل عملية الاندماج ودفعها نحو نتائج إيجابية.

**"ولات تيفي": تشهد المنطقة حراكاً دبلوماسياً متسارعاً، بدءاً من زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق، ثم زيارة مظلوم عبدي، تلتها زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى تركيا. كيف تقرؤون هذه التحركات؟

*اللاذقاني: من اللافت أنه عقب زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني ثم زيارة مظلوم عبدي، شهدت بعض التشكيلات العسكرية تغييرات في بنيتها ومناصبها، وهو ما يرتبط بمسار دمج "قسد" ضمن الجيش السوري، لأن مطلب الدمج العسكري لقوات "قسد" في الجيش السوري يتطلب هيكلية عسكرية جديدة يعمل عليها الطرفان بشكل جيد. 

أما زيارة وزير الخارجية السوري إلى تركيا فتأتي في السياق ذاته، لأن عدداً من الفصائل كانت تعمل سابقاً بدعم وإشراف تركي، ومن الطبيعي أن يكون هناك تنسيق إقليمي. وأعتقد أن تركيا لا تعارض هذا المسار، لأن استقرار سوريا يصب في مصلحتها، وليس من مصلحتها أن تبقى حدودها متوترة. 

**"ولات تيفي": هل تعتقدون أن عملية الاندماج بين دمشق و"قسد" دخلت مراحلها الأخيرة؟

*اللاذقاني: هناك خطوات تنفذ بسرعة، لكن في المقابل توجد عقبات تؤخر بعض الملفات. كما توجد داخل "قسد" أطراف لا ترغب في الاندماج السريع، أو تفضل تأجيله، كما شاهدنا في بعض الحوادث التي شهدتها مدينة قامشلو. 

ومع ذلك، أرى أن الاندماج لا بد منه، لأنه لا توجد بدائل واقعية، كما أن وحدة سوريا ضمن نظام ديمقراطي لامركزي تمثل الخيار الأفضل لجميع المكونات إذا توفرت الإرادة السياسية.

**"ولات تيفي": كيف تقيمون الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا بعد زياراتكم الأخيرة؟

*اللاذقاني: خلال زيارتي الأولى لاحظت حالة من التفاؤل والسعادة لدى السوريين، لكن في الزيارة الثانية ظهر تذمر نتيجة عدم تحسن الظروف المعيشية، وفي الزيارة الثالثة بدأت تظهر احتجاجات في دمشق ومناطق أخرى.

وأعتقد أن سوريا دخلت مرحلة جديدة يتسع فيها هامش الحريات بصورة ملحوظة، وهو ما سيساعد على نشوء حياة سياسية حقيقية. لكن البلاد لا تزال بحاجة إلى قانون للأحزاب وإطلاق العمل السياسي بعد عقود طويلة من الجمود والتصحر السياسي، إلى جانب تحسين الأوضاع المعيشية بما يليق بتضحيات السوريين.

**"ولات تيفي": هل التحركات العسكرية على الحدود السورية العراقية تأتي في إطار إجراءات احترازية أم تعكس استعدادات عسكرية؟ 

*اللاذقاني: أعتقد أن كثيراً مما يتم تداوله حول هذه التحركات يفتقر إلى الدقة، فهناك حملات إعلامية تستهدف سوريا، والتحركات كانت محدودة وجرت بالتنسيق مع الحكومة العراقية.

كما أن رسائل الحكومة السورية إلى الميليشيات المسلحة الموالية لإيران بشأن عدم المساس بأمن سوريا كانت واضحة ومتواصلة.

**"ولات تيفي": هل يمكن أن تتعرض سوريا لضغوط للانخراط في مواجهة مع "حزب الله" في لبنان؟ 

*اللاذقاني: الجرائم التي ارتكبها "حزب الله" في سوريا معروفة ولا يمكن نسيانها، لكن الجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء والهيكلة، وبالتالي لا يمكنه الانخراط في حرب خارجية.

ورغم محاولات "حزب الله" التقرب من دمشق، فإن القيادة السورية، بحسب تقديري، لا تتجه نحو فتح صفحة جديدة معه أو التنسيق معه.

**"ولات تيفي": في المقابل، فتحت دمشق صفحة جديدة مع روسيا. كيف تقرؤون ذلك؟ 

*اللاذقاني: سوريا منفتحة على الدولة اللبنانية وليس على "حزب الله"، أما فيما يتعلق بروسيا، فلا يمكن تجاهل ما قامت به خلال سنوات الحرب، لكنها لا تزال موجودة عبر قواعدها العسكرية، وإنهاء هذا الوجود يحتاج إلى وقت.

كما أن قطع العلاقات بشكل كامل لا يخدم أي طرف، لذلك قد تستمر العلاقة ضمن حدودها الدنيا إلى حين إعادة صياغتها مستقبلاً، وعندها يمكن للسوريين المطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم.

**"ولات تيفي": ما القاسم المشترك الذي ينبغي أن يجمع السوريين لبناء دولة مستقرة؟ 

*اللاذقاني: أعتقد أن السوريين باتوا أكثر اقتناعاً بأن مستقبلهم يكمن في الالتفاف حول مشروع بناء دولة القانون، وتطبيق العدالة الانتقالية، والحفاظ على مساحة الحريات، وإطلاق حياة سياسية تليق بتضحياتهم وتستجيب لتطلعاتهم.

**"ولات تيفي": هل أنتم متفائلون بمستقبل سوريا؟

*اللاذقاني: نعم، أنا متفائل جداً بمستقبل سوريا. لطالما كنت أؤمن بالأمل، وأعتقد أن تضحيات السوريين لن تذهب سدى، وأن السوريين قادرون على بناء دولة مؤسسات حديثة تحترم مواطنيها، وتحافظ على علاقات متوازنة مع جيرانها، وتسهم في تعزيز استقرار المنطقة.