الحسكة.. وفرة إنتاج الشعير تتحول إلى خسائر للمزارعين وسط غياب التسعيرة والدعم الحكومي

الحسكة.. وفرة إنتاج الشعير تتحول إلى خسائر للمزارعين وسط غياب التسعيرة والدعم الحكومي

ولات تيفي - أربيل

يواجه القطاع الزراعي في محافظة الحسكة أزمة حادة تهدد مستقبل عدد من المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها محصول الشعير، إذ تحولت الوفرة الكبيرة في الإنتاج، التي تحققت خلال الموسم الزراعي للعام 2026 بفعل الهطولات المطرية الغزيرة، من فرصة اقتصادية إلى عبء ثقيل على المزارعين، في ظل غياب تسعيرة حكومية رسمية للمحصول وتركه رهينة لتقلبات السوق وجشع السماسرة والتجار.

وفي وقت تتزامن فيه معاناة الفلاحين مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، يجد المزارعون أنفسهم أمام خيار صعب بين بيع محصولهم بأسعار لا تغطي تكاليف الإنتاج أو الاحتفاظ به في ظل ظروف تخزين صعبة، ما ينذر بخسائر مالية كبيرة قد تدفع أعداداً متزايدة منهم إلى تقليص المساحات المزروعة بالشعير أو التخلي عن زراعته بشكل كامل.

*فجوة كبيرة بين تكاليف إنتاج محصول الشعير وأسعار البيع

المزارع أحمد الشيخ من ريف الدرباسية، قال لـ"ولات تيفي"، إنه اشترى بذار الشعير في بداية الموسم بسعر بلغ نحو 500 دولار للطن الواحد، وذلك من دون احتساب تكاليف الحراثة والمبيدات وأجور الحصاد.

وأوضح الشيخ أن سعر الطن في الوقت الحالي لا يتجاوز 235 دولاراً، ما يعني وجود فجوة كبيرة بين تكاليف الإنتاج وسعر البيع، مشيراً إلى أنه سيضطر إلى بيع محصوله البالغ نحو 20 طناً بخسارة كبيرة، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء وصعوبة تخزين المحصول في ظل ظروف التخزين السيئة.

*ديون متراكمة ومازوت يتجاوز 12 ألف ليرة

من جانبه، أفاد محمد علي من ريف الحسكة الشمالي، بأن لديه محصولاً من الشعير يبلغ نحو 12 طناً، وأنه مضطر إلى بيعه بسعر منخفض وتحمل الخسارة، بهدف تأمين مستلزمات الموسم الزراعي الجديد وسداد الديون المتراكمة عليه منذ سنوات الجفاف السابقة.

وأشار إلى أن وصول سعر لتر المازوت إلى أكثر من 12 ألف ليرة سورية يشكل عبئاً إضافياً خانقاً على المزارعين، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج إلى مستويات لم تعد في متناول الفلاح، ويهدد قدرته على حراثة أرضه والاستعداد للموسم الزراعي المقبل.

*مزارعون يهددون بترك زراعة الشعير

وفي السياق ذاته، عبّر الفلاح نزير حاج أوسي من ريف قامشلو، عن استيائه من غياب الدور الحكومي تجاه معاناة المزارعين، مؤكداً أن الخسائر التي يتكبدونها باتت كبيرة إلى درجة تهدد استمرارهم في زراعة الشعير.

وقال حاج أوسي: "الخسارة مأساوية بكل المقاييس، واعتباراً من هذا الموسم لن أقوم ببذر مادة الشعير مجدداً ما دامت الدولة ترفض استلامه وسعره رخيص جداً، وسأترك الأرض بوراً أو أتوجه لزراعة محصول آخر".

وأضاف أن القطاع الزراعي يحظى في مناطق مختلفة بالتشجيع والدعم، بينما قال إن السياسات المتبعة في مناطقهم تؤدي إلى إضعاف هذا القطاع الحيوي، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والثروة الحيوانية.

وأكد أن عزوف المزارعين عن زراعة الشعير خلال الموسم المقبل لن يقتصر تأثيره على الخسائر الفردية التي يتكبدها الفلاح، بل يحمل مؤشرات خطيرة على مستقبل القطاع الزراعي بشكل عام.

*تراجع إنتاج الشعير يهدد الثروة الحيوانية وارتفاع أسعار الأعلاف

بدوره، أوضح عبد العزيز حاج صالح، وهو مربي مواشٍ، أن محصول الشعير يعد من المواد العلفية الأساسية للمواشي، محذراً من أن أي نقص حاد في توفره سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار الأعلاف.

وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الأعلاف سيشكل تهديداً لقطاع الثروة الحيوانية بأكمله، كما سينعكس بصورة مباشرة على أسعار المنتجات الحيوانية، وفي مقدمتها اللحوم والألبان.

وبحسب حاج صالح، فإن أزمة الشعير لا تتوقف عند حدود المزارعين المنتجين للمحصول، وإنما تمتد تداعياتها إلى مربي المواشي والأسواق والمستهلكين، ما يجعل معالجة المشكلة ضرورة تتجاوز القطاع الزراعي إلى الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي.

*مطالب بوضع تسعيرة رسمية وفتح مراكز حكومية لاستلام محصول الشعير

ومع اقتراب التحضيرات للموسم الزراعي الجديد، يطالب خبراء ومزارعون الحكومة باتخاذ إجراءات إسعافية عاجلة لتفادي ما وصفوه بكارثة زراعية واقتصادية، وفي مقدمتها وضع تسعيرة رسمية ومناسبة لمحصول الشعير تضمن للفلاح هامش ربح مجزياً، بما يشجعه على الاستمرار في زراعة المحصول.

كما تتضمن المطالب فتح مراكز حكومية لاستلام محصول الشعير مباشرة من المزارعين، بهدف قطع الطريق أمام السماسرة والتجار الذين يتحكمون بأسعار الشراء، إلى جانب إعادة تفعيل دور الوحدات الإرشادية الزراعية وتقديم الدعم اللازم لمستلزمات الإنتاج.

ويطالب المزارعون كذلك بتوفير المازوت الزراعي بأسعار مدعومة، وتسهيل حصولهم على الأسمدة، بما يساهم في تخفيف الأعباء المالية المترتبة عليهم قبل انطلاق الموسم الزراعي الجديد.

*أكثر من 609 آلاف طن إنتاج الحسكة من الشعير

ويأتي ذلك في وقت حققت فيه محافظة الحسكة خلال الموسم الزراعي الماضي إنتاجاً كبيراً من محصول الشعير، بفضل الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدتها المنطقة.

وبحسب إحصائية رسمية لوزارة الزراعة السورية فقد بلغ إنتاج المحافظة نحو 609 آلاف و500 طن من الشعير، فيما وصلت مساحة الأراضي المزروعة بالشعير البعل إلى نحو 268 ألف هكتار، مقابل نحو 21 ألف هكتار من الأراضي المروية.